الشيخ الطبرسي

266

تفسير مجمع البيان

المعنى : ثم أنكر نوح استثقالهم التكليف ، والعاقل ، إنما يستثقل الأمر إذا ألزمته مؤنة ثقله ، فقطع هذا العذر بقوله : ( ويا قوم لا أسألكم عليه مالا ) أي : لا أطلب منكم على دعائكم لي الله أجرا ، فتمتنعون من إجابتي خوفا من أخذ المال ( إن أجري إلا على الله ) أي : ما ثوابي ، وما أجري في ذلك ، إلا على الله ( وما أنا بطارد الذين آمنوا ) أي : لست أطرد المؤمنين من عندي ، ولا أبعدهم على وجه الإهانة . وقيل : إنهم كانوا سألوه طردهم ليؤمنوا له ، أنفة من أن يكونوا معهم على سواء ، عن ابن جريج ، والزجاج ( إنهم ملاقوا ربهم ) وهذا يدل على أنهم سألوه طردهم ، فأعلمهم أنه يطردهم لأنهم ملاقوا ربهم ، فيجازي من ظلمهم ، وطردهم بجزائه من العذاب ، عن الزجاج . وقيل : معناه إنهم ملاقوا ثواب ربهم ، فكيف يكونون أراذل ؟ وكيف يجوز طردهم ، وهم لا يستحقون ذلك ؟ عن الجبائي . ( ولكني أراكم قوما تجهلون ) الحق وأهله . وقيل : معناه تجهلون أن الناس إنما يتفاضلون بالدين ، لا بالدنيا . وقيل : تجهلون فيما تسألون من طرد المؤمنين ( ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم ) معناه : من يمنعني من عذاب الله إن أنا طردت المؤمنين ، فكانوا خصمائي عند الله في الآخرة ( أفلا تذكرون ) أي : أفلا تتفكرون فتعلمون أن الأمر على ما قلته ؟ وفرق علي بن عيسى بين التفكر والتذكر ، بأن التذكر طلب معنى قد كان حاضرا للنفس . والتفكر طلب معرفة الشئ بالقلب ، وإن لم يكن حاضرا للنفس . وليست النصرة المذكورة في الآية من الشفاعة في شئ ، لأن النصرة : هي المنع على وجه المغالبة ، والقهر . والشفاعة هي المسألة على وجه الخضوع ، فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة للمذنبين ، على ما قاله بعضهم ( ولا أقول لكم عندي خزائن الله ) هذا تمام الحكاية عما قاله نوح لقومه ، ومعناه : إني لا أرفع نفسي فوق قدرها ، فأدعي أن عندي مقدورات الله تعالى ، فأفعل ما أشاء ، وأعطي ما أشاء ، وأمنع من أشاء ، عن الجبائي ، وأبي مسلم . وقيل : خزائن الله : مفاتيح الله في الرزق . وهذا جواب لقولهم : ( ما نراك إلا بشرا مثلنا ) أو قولهم : ( وما نرى لكم علينا من فضل ) ( ولا أعلم الغيب ) أي : ولا أدعي علم الغيب حتى أدلكم على منافعكم ومضاركم . وقيل : لا أعلم الغيب فأعلم ما تسرونه في نفوسكم ، فيكون جوابا لقولهم إن هؤلاء الذين آمنوا بك ، اتبعوك في ظاهر ما ترى منهم أي : فسبيلي قبول إيمانهم الذي ظهر لي ، ولا يعلم ما يضمرونه